الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

147

تفسير روح البيان

الظاهري للوجود والتعيش واللّه تعالى هو السبب الحقيقي فأخبر بتعظيم السبب الحقيقي ثم اتبعه بتعظيم السبب الظاهري يعنى اللّه تعالى قرن احسان الوالدين بتوحيده لمناسبتهما لحضرة الألوهية والربوبية في سببيتهما لوجودك وتربيتهما إياك عاجزا صغيرا وهما أول مظهر ظهر فيهما آثار صفات اللّه تعالى من الإيجاد والربوبية والرحمة والرأفة بالنسبة إليك ومع ذلك فهما محتاجان إلى قضاء حقوقهما واللّه غنى عن ذلك . فاهم الواجبات بعد التوحيد إحسانهما وفي الحديث ( بر الوالدين أفضل من الصلاة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل اللّه ) ذكره الامام إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما [ اگر برسد نزديك تو بزرگ سالى وكبر سن يكى از ايشان يا هر دو ايشان يعنى بزنيد تا پير شوند ومحتاج خدمت تو كردند ] * قوله اما مركبة من أن الشرطية وما المزيدة لتأكيدها ولذلك حل الفعل نون التأكيد ومعنى عندك في كنفك وكفالتك وأحدهما فاعل للفعل وتوحيد ضمير الخطاب في عندك وفيما بعده مع أن ما سبق على الجمع للاحتراز عن التباس المراد فان المقصود نهى كل أحد عن تأفيف والديه ونهرهما ولو قوبل الجمع بالجمع أو بالتثنية لم يحصل هذا المراد * قال في الأسئلة المقحمة ان قلت كيف خص اللّه حال الكبر بالإحسان إلى الوالدين وهو واجب في حقهما على العموم والجواب ان هذا وقت الحاجة في الغالب وعند عدم الحاجة اجابتهما ندب وفي حالة الحاجة فرض انتهى فَلا تَقُلْ لَهُما اى لواحد منهما حالتي الانفراد والاجتماع أُفٍّ هو صوت يدل على تضجر واسم للفعل الذي هو الضجر وقرئ بحركات الفاء فالتنوين على قصد التنكير كصه ومه وايه وغاق وتركه على قصد التعريف والكسر على أصل البناء ان بنى على الكسر لالتقاء الساكنين وهما ألفا آن والفتح على التخفيف والضم للاتباع كمنذ وهو بالشاذ . والمعنى لا تتضجر بما تستقذر منهما وتستثقل من مؤونتهما وهو عام لكل أذى لكن خص بعضه بالذكر اعتناء بشأنه فقيل وَلا تَنْهَرْهُما اى لا تزجرهما بإغلاظ إذا كرهت منهما شيأ وَقُلْ لَهُما بدل التأليف قَوْلًا كَرِيماً ذا كرم وهو القول الجميل الذي يقتضيه حسن الآدب ويستدعيه النزول على المروءة مثل ان تقول يا أبتاه ويا أماه كدأب إبراهيم عليه السلام إذ قال لأبيه يا أبت مع ما به من الكفر ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب وديدن الدعاء الا ان يكون في غير وجههما كما قالوا ولا يرفع صوته فوق صوتهما ولا يجهر لهما بالكلام بل يكلمهما بالهمس والخضوع الا لضرورة الصمم والافهام ولا يسب والدي رجل فيسب ذلك الرجل والديه ولا ينظر إليهما بالغضب وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ جناح الذل استعارة بالكناية جعل الذل والتواضع بمنزلة طائر فاثبت له الجناح تخبيلا اى تواضع لهما ولين جانبك وذلك ان الطائر إذا قصد ان ينحط خفض جناحه وكسره وإذا قصد ان يطير رفعه فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع ولين الجانب * قال القاضي وامره بخفضه مبالغة في إيجاب الذل وترشيحا للاستعارة * قال ابن عباس رضى اللّه عنهما كن مع الوالدين كالعبد المذنب الذليل الضعيف للسيد الفظ الغليظ اى في التواضع والتملق مِنَ الرَّحْمَةِ من ابتدائية أو تعليلية اى من فرط رحمتك عليهما